مع صَفِـىِّ الدين الحِلِّي
جاء الشاعر صفيُّ الدين الحلـِّي إلى الدنيا في ربيع الأول من عام 677 الهجري في حِلّة بابل - أو الحلـّة الفيحاء ـ بالقرب من الموصل ، و قد ذكرها كثيرا في شعره ، من ذلك قوله :
أَلاَ أَبْلِغْ - هُدِيْتَ - سُمَاةَ قومي
بِحِلّـَةِ بَابِلٍ عِنْدَ الوُرُودِ
أَلاَ لاَ تَشْغلُوا قَلْبًا لِبُعْدِي
فَإِنِّي كُلَّ يَوْمٍ في مَزيدِ
لأنّي قَدْ حَلَلْتُ حِمى مُلُوكٍ
رُبُوعُ عَبِيْدِهم كَهْفُ الطَّرِيْدِ
فَمَنْ يَكُ نَازِلاً بِحِمَى كُلَيْبٍ
فإنّي قَد نَزَلْتُ حِمَى الأُسُودِ
كما تغنّى بها أيضا وترنّم بذكرها موضحًا أنها تجتمع فيها كُلُّ الأضداد :
مَنْ لَمْ تَرَ الحِلَّةَ الفَيْحَاءَ مُقْلَتُهُ
فإنَّهُ في انقضاءِ العُمْرِ مَغْبُونُ
أرضٌ بها سائرُ الأهواءِ قد جُمِعَتْ
كما يُجَمَّعُ فيها الضَّبُّ والنُّونُ
ماشانها غيرُ سعيِ الجاهلينَ بها
كأنَّها جَنَّةٌ فيها شَياطِينُ
( الضبّ : دابة كالحرباء ، النون : الحُوت وهما ضدّان بالطبع ).
كان صفيُّ الدين ينتمي إلى قبيلة سنبس - إحدى قبائل طي - وهي قبيلة عربية عريقة ، عاش فيها بين سادات قومه ثم نزح إلى ربوع العالم الإسلامي واتصل بالملوك في ماردين وحماة ودمشق والقاهرة والحجاز وغيرها .. وعاد إلى بغداد ليموت فيها - طبقا للرواية الشائعة - عام 750 هجرية .
نشأ صفيُّ الدين - كما أسلفنا - في قبيلة عريقة ، يمتُّ إليها أبواه ، و كانت أسرة أمه ذات جاه وحسب وسطوة ورياسة ، فأحقدت منافسيها في الزعامة والجاه والسلطان ، فاشتعلت بذلك نار العداوة و البغضاء بينهم وأججها الميراث القديم من الشجاعة والشهامة والصرامة ، و كذلك الجاهلية العمياء التي تحرض على الدمار وتطالب بالأخذ بالثأر .
كانت الحروب التي يدخلها آلُ صفيِّ الدين حروباً عائليةً أو قبلية ، فكانوا دائما في حالة ترقّب للأخذ بثأر أو لدفع ثأر ، فجاء شعره مناصرًا للقبيلة محفزّا لشبابها ، و كان دائما يبدأ بنفسه في حمل السلاح ، و كما ذاق حلاوة النصر ، ذاق مرارة الهزيمة ، غير أنه لم يتحمل البقاء بوطنه عندما ولت أيام الانتصار وأعطتهم الأيام ظهرها ووجهها الآخر ، إذ رجحت كفة أعدائهم عليهم ، وآلت إليهم الولاية في بلدهم ، فلاذ صفيُّ الدين بالفرار إلى مارِدِين - بالقرب من ديار بكر بتركيا- ، ثم كتب إلى أحد بني عمه معتذرًا عن هذا الفرار ومُبرّرًا إياه في قصيدة مفعمة بالأسى والحزن ورائحة الحكمة :
صَبْرًا على وعْدِ الزمانِ وإِنْ وَنَى
فَعَساهُ يُصْبِحُ تائبًا ممَّا جَنَى
لا يُجْزِعَنَّكَ أَنَّهُ رَفَعَ العِدَى
فلسوفَ يَهْدِمُ عن قريبٍ ما بَنَى
حَكَموا فَجاروا في القضاءِ وما دَرَوْا
أنَّ المراتبَ تستحيلُ إلى فَنَا
ظَنُّوا الوِلاَيَةَ أن تدومَ عَلَيْهِمُ
هَيْهاتَ لودامتْ لَهُم دامتْ لَنَا
إنه يُصبّر ابنَ عمّه ويواسيه ويحاول أن يمنحه الأمل مذكِّرًا إياه بأن الأيام دُوَلٌ بين الناس ، و أن الزمان الذي يرفع قومًا اليوم لا يلبث أن يخسف بهم ما بنى وشاد لهم ، و أن كلّ شئ - مهما علا- يستحيل إلى فناء ، و أن الولاية - الدنيا - لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك .
ثم ينتقل إلى أرض المعركة ليصوّر الوقائع ويبرر الفرار :
قَتلوا رِجالي -بَعدَ أَنْ فتََكوا بِهِم
في وَقْعةِ الزَّورَاءِ فَتْكًا بَيِّنَا
كُلُّ الذينَ غَشُوا الوَقيعَةَ قُتِّلُوا
ما فازَ مِنْهُم سَالِمًا إلاَّ أَنَا
ليسَ الفِرارُ عليَّ عارًا بَعْدَمَا
شَهِدُوا بِبَأسِي يَومْ مُشْتَبَكِ القَنَا
يقول إن الأعداء قتلوا رجاله بعد أن فتك رجاله بهم فتكًا مبينا ، غير أن المحصلة النهائية هي ضياعهم جميعا إذ لم يفلت من الموت سواه ، وهذا الفِرارُ - في نظره - ليس عارًا ولاسُبَّةً فكم شهد له الأعداء ببأسه وقوته وصبره على غريمه عند اشتباك الرماح …
ويحاول الشاعر أن يخفف من وقع الهزيمة على قلب ابن عمه ، كما يحاول أن يخفف من وقع هروبه وفراره إلى دولة أخرى وقوم آخرين ، مستميتا في إضفاء صفة المشروعية على هذا التصرف :
إِنْ كُنْتُ أوًَّلَ مِنْ نَأَى عن أرضهم
قد كُنْتُ يومَ الحربِ أوّلَ مَنْ دَنَا
أَبْعَدْتُ عَنْ أرضِ العِراقِ ركائِبي
علْمًا بأنَّ الحَزْمَ نِعْمَ المُقْتَنَى
لاَ أَخْتَشِي مِن ذِلَّةٍ أَو قِلَّةٍ
عِزِّي لِساني ، و القَناعَةُ لي غِنَى
جُبْتُ البِلادَ وَلَسْتُ مُتَّخِذًا بها
سَكَنًا ، وَ لمْ أَرْضَ الثُّرَيَّا مَسْكَنَا
إنّه يفعل المستحيلَ لكي يزيّنَ فعلته وكأنه لم يفطن إلى قول أبي فراس ( القرن الرابع الهجري ) عن نفس الموقف في إحدى رائياته والتي هي أشهر قصائد ديوانه والتي ذاع صيتها تحت عنوان أراكَ عصيَّ الدمع :
وَقَالَ أُصَيْحَابي : الفِرَارُ أوِ الرَّدَى
فَقُلتُ : هُما أمرَانِ … أحلاهُمَا مُرُّ
ولهذا ، لم يفر أبو فراس ، و قضى في الأسر سبع سنوات كاملة - وهناك روايات تقول أربع سنوات ومن بعدها ثلاث في مرة أخرى- في سجون الروم .
غير أنه لكل شاعر طريقته ، ولكل إنسان فلسفته الخاصة التي يفلسف بها تصرفاته ويضفي عليها الشرعية ولو فيما بين نفسه ونفسه .
وكعادة الشعراء … يحن صفيُّ الدين إلى الوطن ، لكنه - في غمرة الشوق والحنين - يقنع بما هو فيه ويلتفت إلى حياته الجديدة في منافيه الاختيارية التي يسوقه إليها القدر ويحط رحاله بها :
هَبَّ النَّسِيمُ عِرَاقِيًّـا فَشَوَّقَني
وَطَالَمَا هَبَّ نَجْدِيًّا فَلَمْ يَشُق ِ
فَما تَنَفَّسْتُ وَالأَرْواحُ سَارِيَةٌ
إلاَّ اشْتَكَتْ نَسَمَاتُ الرِّيح مِن حُرَقي
ذَرْ أَيُّها الصَّبُّ تَذْكَارَ الدِّيَارِ إِذا
مُتِّعْتَ فِيها بِعَيْشٍ غَيْرِ مُتَّسِقِ
فَكَمْ ضَمَمْتَ وُشَاحًا بالظّلامِ بها
مازادَ قَلْبَكَ إِلاَّ كَثْرَةَ القَلَقِ
فَخَلِّ تَذْكَارَ زَوْراءِ العِرَاقِ إِذَا
جاءتْ نَسِيْمُ الصَّبَا بِالمَنْدَلِ العَبِقِ
وكغيره من الشعراء والأدباء زار صفيُّ الدين القاهرة ، و لانعتقد - بالطبع - أن ذلك كان من قبيل البحث عن فرصة في ليالي التليفزيون .
* *
وفد صفيُ الدين على مصر سنة 723 هجرية وهو ذاهب إلى حج بيت الله الحرام ، ثم عاد بعد الحج إلى القاهرة وأقام بها نحو عام ، و أثناء إقامته بها احتفل المصريون احتفالهم السنوي بعيد كسر الخليج المصري، فنظم الشاعر نونيته الرائعة التي مدح فيها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، ووصف فيها ربيع مصر وجوّها البديع وحدائقها الغنّاء ونيلها العظيم الذي يفيض بالخير والسحروالإلهام، و منها :
فَاصْرِفْ هُمُومَكَ بالرَّبيْعِ وَفَصْلِهِ
إنَّ الربيعَ هُوَ الشَّبَابُ الثَّاني
أَنَّي وَقَدْ صَفَتِ المِيَاهُ وَزُخْرِفَتْ
جَنَّاتُ مِصْرَ وَأَشْرَقَ الهَرَمَانِ
واخْضَرَّ وَادِيْهَا وَحَدَّقَ زَهْرُهُ
والنّيْلُ فِيْهِ كَكَوْثَرٍ بِجِنَانِ
ويبدو أن القافية قد أجبرت الشاعر على أن يخفي هرمًا من الأهرامات الثلاثة الأشهر كما أجبرت شاعر الجندول علي محمود طه إذ قال :
قلتُ ، و النشوةُ تسري في لساني
هاجت الذكرى ، فأينَ الهرمانِ ؟!
(كان الموسيقار

محمد عبد الوهاب قد غنى الجندول من شعر علي محمود طه كما غنى قصيدة قالت من شعر صفي الدين الحلي ، كذلك غنـّت أمّ كلثوم 
من شعر صفيِّ الدين)
غير أن أهم فترات عطائه ـ صفي الدين - تلك التي كانت بماردين عندما فر إليها واستقر بها واتصل بملوكها من بني أرتق الذين أكرموه واحتفوا به إذ كانوا يحبون الشعر وينظمونه ، و قد سبقه شعره إليهم ، فرفعوا مكانته وقرّبوه ، ووهبوا له من النعم والمنح ما ألهج بذكرهم لسانه وأطلق بشكرهم بيانه :
فَقَيَّدَتْنِي عِنْدَهُمْ أَنْعُمٌ






















