مع صفيِّ الدين ( من أعمالي التي حذفها أبو جهل من منتدى ” سماعي ” )

ديسمبر 16th, 2008 كتبها بشير عيـّـاد نشر في , نقد

 

 مع صَفِـىِّ الدين الحِلِّي

 جاء الشاعر صفيُّ الدين الحلـِّي إلى الدنيا في ربيع الأول من عام 677 الهجري في حِلّة بابل -  أو الحلـّة الفيحاء ـ بالقرب من الموصل ، و قد ذكرها كثيرا في شعره ، من ذلك قوله :  

أَلاَ أَبْلِغْ -  هُدِيْتَ -  سُمَاةَ قومي

بِحِلّـَةِ بَابِلٍ عِنْدَ الوُرُودِ

أَلاَ لاَ تَشْغلُوا قَلْبًا لِبُعْدِي

فَإِنِّي كُلَّ يَوْمٍ في مَزيدِ

لأنّي قَدْ حَلَلْتُ حِمى مُلُوكٍ

رُبُوعُ عَبِيْدِهم كَهْفُ الطَّرِيْدِ

فَمَنْ يَكُ نَازِلاً بِحِمَى كُلَيْبٍ

فإنّي قَد نَزَلْتُ حِمَى الأُسُودِ

كما تغنّى بها أيضا وترنّم بذكرها موضحًا أنها تجتمع فيها كُلُّ الأضداد :  

مَنْ لَمْ تَرَ الحِلَّةَ الفَيْحَاءَ مُقْلَتُهُ

فإنَّهُ في انقضاءِ العُمْرِ مَغْبُونُ

أرضٌ بها سائرُ الأهواءِ قد جُمِعَتْ

كما يُجَمَّعُ فيها الضَّبُّ والنُّونُ

ماشانها غيرُ سعيِ الجاهلينَ بها

كأنَّها جَنَّةٌ فيها شَياطِينُ 

( الضبّ : دابة كالحرباء ، النون : الحُوت وهما ضدّان بالطبع ).

كان صفيُّ الدين ينتمي إلى قبيلة سنبس -  إحدى قبائل طي -  وهي قبيلة عربية عريقة ، عاش فيها بين سادات قومه ثم نزح إلى ربوع العالم الإسلامي واتصل بالملوك في ماردين وحماة ودمشق والقاهرة والحجاز وغيرها .. وعاد إلى بغداد ليموت فيها -  طبقا للرواية الشائعة - عام 750 هجرية .

نشأ صفيُّ الدين - كما أسلفنا - في قبيلة عريقة ، يمتُّ إليها أبواه ، و كانت أسرة أمه ذات جاه وحسب وسطوة ورياسة ، فأحقدت منافسيها في الزعامة والجاه والسلطان ، فاشتعلت بذلك نار العداوة و البغضاء بينهم وأججها الميراث القديم من الشجاعة والشهامة والصرامة ، و كذلك الجاهلية العمياء التي تحرض على الدمار وتطالب بالأخذ بالثأر .

كانت الحروب التي يدخلها آلُ صفيِّ الدين حروباً عائليةً أو قبلية ، فكانوا دائما في حالة ترقّب للأخذ بثأر أو لدفع ثأر ، فجاء شعره مناصرًا للقبيلة محفزّا لشبابها ، و كان دائما يبدأ بنفسه في حمل السلاح ، و كما ذاق حلاوة النصر ، ذاق مرارة الهزيمة ، غير أنه لم يتحمل البقاء بوطنه عندما ولت أيام الانتصار وأعطتهم الأيام ظهرها ووجهها الآخر ، إذ رجحت كفة أعدائهم عليهم ، وآلت إليهم الولاية في بلدهم ، فلاذ صفيُّ الدين بالفرار إلى مارِدِين -  بالقرب من ديار بكر بتركيا-  ، ثم كتب إلى أحد بني عمه معتذرًا عن هذا الفرار ومُبرّرًا إياه في قصيدة مفعمة بالأسى والحزن ورائحة الحكمة : 

صَبْرًا على وعْدِ الزمانِ وإِنْ وَنَى

فَعَساهُ يُصْبِحُ تائبًا ممَّا جَنَى

لا يُجْزِعَنَّكَ أَنَّهُ رَفَعَ العِدَى

فلسوفَ يَهْدِمُ عن قريبٍ ما بَنَى

حَكَموا فَجاروا في القضاءِ وما دَرَوْا

أنَّ المراتبَ تستحيلُ إلى فَنَا

ظَنُّوا الوِلاَيَةَ أن تدومَ عَلَيْهِمُ

هَيْهاتَ لودامتْ لَهُم دامتْ لَنَا 

إنه يُصبّر ابنَ عمّه ويواسيه ويحاول أن يمنحه الأمل مذكِّرًا إياه بأن الأيام دُوَلٌ بين الناس ، و أن الزمان الذي يرفع قومًا اليوم لا يلبث أن يخسف بهم ما بنى وشاد لهم ، و أن كلّ شئ -  مهما علا-  يستحيل إلى فناء ، و أن الولاية -  الدنيا -  لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك .

ثم ينتقل إلى أرض المعركة ليصوّر الوقائع ويبرر الفرار :  

قَتلوا رِجالي -بَعدَ أَنْ فتََكوا بِهِم

في وَقْعةِ الزَّورَاءِ فَتْكًا بَيِّنَا

كُلُّ الذينَ غَشُوا الوَقيعَةَ قُتِّلُوا

ما فازَ مِنْهُم سَالِمًا إلاَّ أَنَا

ليسَ الفِرارُ عليَّ عارًا بَعْدَمَا

شَهِدُوا بِبَأسِي يَومْ مُشْتَبَكِ القَنَا 

يقول إن الأعداء قتلوا رجاله بعد أن فتك رجاله بهم فتكًا مبينا ، غير أن المحصلة النهائية هي ضياعهم جميعا إذ لم يفلت من الموت سواه ، وهذا الفِرارُ -  في نظره -  ليس عارًا ولاسُبَّةً فكم شهد له الأعداء ببأسه وقوته وصبره على غريمه عند اشتباك الرماح …

ويحاول الشاعر أن يخفف من وقع الهزيمة على قلب ابن عمه ، كما يحاول أن يخفف من وقع هروبه وفراره إلى دولة أخرى وقوم آخرين ، مستميتا في إضفاء صفة المشروعية على هذا التصرف : 

إِنْ كُنْتُ أوًَّلَ مِنْ نَأَى عن أرضهم

قد كُنْتُ يومَ الحربِ أوّلَ مَنْ دَنَا

أَبْعَدْتُ عَنْ أرضِ العِراقِ ركائِبي

علْمًا بأنَّ الحَزْمَ نِعْمَ المُقْتَنَى

لاَ أَخْتَشِي مِن ذِلَّةٍ أَو قِلَّةٍ

عِزِّي لِساني ، و القَناعَةُ لي غِنَى

جُبْتُ البِلادَ وَلَسْتُ مُتَّخِذًا بها

سَكَنًا ، وَ لمْ أَرْضَ الثُّرَيَّا مَسْكَنَا 

إنّه يفعل المستحيلَ لكي يزيّنَ فعلته وكأنه لم يفطن إلى قول أبي فراس ( القرن الرابع الهجري ) عن نفس الموقف في إحدى رائياته والتي هي أشهر قصائد  ديوانه والتي ذاع صيتها تحت عنوان أراكَ عصيَّ الدمع :  

وَقَالَ أُصَيْحَابي : الفِرَارُ أوِ الرَّدَى

فَقُلتُ : هُما أمرَانِ … أحلاهُمَا مُرُّ 

ولهذا ، لم يفر أبو فراس ، و قضى في الأسر سبع سنوات كاملة -  وهناك روايات تقول أربع سنوات ومن بعدها ثلاث في مرة أخرى-  في سجون الروم .

غير أنه لكل شاعر طريقته ، ولكل إنسان فلسفته الخاصة التي يفلسف بها تصرفاته ويضفي عليها الشرعية ولو فيما بين نفسه ونفسه .

وكعادة الشعراء … يحن صفيُّ الدين إلى الوطن ، لكنه -  في غمرة الشوق والحنين -  يقنع بما هو فيه ويلتفت إلى حياته الجديدة في منافيه الاختيارية التي يسوقه إليها القدر ويحط رحاله بها :  

هَبَّ النَّسِيمُ عِرَاقِيًّـا فَشَوَّقَني

وَطَالَمَا هَبَّ نَجْدِيًّا فَلَمْ يَشُق ِ

فَما تَنَفَّسْتُ وَالأَرْواحُ سَارِيَةٌ

إلاَّ اشْتَكَتْ نَسَمَاتُ الرِّيح مِن حُرَقي

ذَرْ أَيُّها الصَّبُّ تَذْكَارَ الدِّيَارِ إِذا

مُتِّعْتَ فِيها بِعَيْشٍ غَيْرِ مُتَّسِقِ

فَكَمْ ضَمَمْتَ وُشَاحًا بالظّلامِ بها

مازادَ قَلْبَكَ إِلاَّ كَثْرَةَ القَلَقِ

فَخَلِّ تَذْكَارَ زَوْراءِ العِرَاقِ إِذَا

جاءتْ نَسِيْمُ الصَّبَا بِالمَنْدَلِ العَبِقِ 

وكغيره من الشعراء والأدباء زار صفيُّ الدين القاهرة ، و لانعتقد -  بالطبع -  أن ذلك كان من قبيل البحث عن فرصة في ليالي  التليفزيون .

*    *  

وفد صفيُ الدين على مصر سنة 723 هجرية وهو ذاهب إلى حج بيت الله الحرام ، ثم عاد بعد الحج إلى القاهرة وأقام بها نحو عام ، و أثناء إقامته بها احتفل المصريون احتفالهم السنوي بعيد كسر الخليج المصري، فنظم الشاعر نونيته الرائعة التي مدح فيها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، ووصف فيها ربيع مصر وجوّها البديع وحدائقها الغنّاء ونيلها العظيم الذي  يفيض بالخير والسحروالإلهام، و منها :                     

فَاصْرِفْ هُمُومَكَ بالرَّبيْعِ وَفَصْلِهِ

إنَّ الربيعَ هُوَ الشَّبَابُ الثَّاني

أَنَّي وَقَدْ صَفَتِ المِيَاهُ وَزُخْرِفَتْ

جَنَّاتُ مِصْرَ وَأَشْرَقَ الهَرَمَانِ

واخْضَرَّ وَادِيْهَا وَحَدَّقَ زَهْرُهُ

والنّيْلُ فِيْهِ كَكَوْثَرٍ بِجِنَانِ 

ويبدو أن القافية قد أجبرت الشاعر على أن يخفي  هرمًا من الأهرامات الثلاثة الأشهر كما أجبرت شاعر الجندول علي  محمود طه إذ قال :  

قلتُ ، و النشوةُ تسري في لساني

هاجت الذكرى ، فأينَ الهرمانِ ؟!

 (كان الموسيقار

413ima

محمد عبد الوهاب قد غنى الجندول من شعر علي محمود طه كما غنى قصيدة قالت من شعر صفي الدين الحلي ، كذلك غنـّت أمّ كلثوم 246ima

من شعر صفيِّ الدين)

غير أن أهم فترات عطائه ـ صفي الدين -  تلك التي كانت بماردين عندما فر إليها واستقر بها واتصل بملوكها من بني أرتق الذين أكرموه واحتفوا به إذ كانوا يحبون الشعر وينظمونه ، و قد سبقه شعره إليهم ، فرفعوا مكانته وقرّبوه ، ووهبوا له من النعم والمنح ما ألهج بذكرهم لسانه وأطلق بشكرهم بيانه :  

فَقَيَّدَتْنِي عِنْدَهُمْ أَنْعُمٌ

المزيد


من أعمالي التي حذفها أبو جهل من منتدى ” سماعي “

نوفمبر 13th, 2007 كتبها بشير عيـّـاد نشر في , نقد

منْ أعمـالي التي حذَفَهــا أبو جهـل مِن مُنتدى " سماعي " :       
معَ الشَّابِ الظـَّريف
ــــ 
هو محمّد بن سُليمان التلمساني ، من شعراء مصر في القرن السابع الهجري ( العصر المملوكي) ، و هو من ذوي العمـر القصير ( 661 - 695 هجرية ) ، يمتاز شعره بالرقة وجمال الصياغة ، كتب في المدح ، و الشكوى ، و الحكمة ، والغزل ، و لا يخلو شعره من الطرافة :
يا سَاكِنًا قلبي المُعَنَّى
وليسَ فيهِ سِواكَ ثاني
لأيّ مَعْنًى كَسَرْتَ قلبي
وما التقى فيهِ سَاكِنَانِ ؟!
في اللغة العربية لا يلتقي " حرفان ساكنان " في وسط الجملة ، و غالبا ما يتم كسر الكلمة الأولى حتى يستقيمَ الكلام ، كقوله تعالى : < < سَبِّحِِ اِسْمَ رَبِّكَ الأعلى >> فالفعل < < سَبِّحْ >> واجب الجزم بالسكون لكونه فعلَ أمر ، و من الصعب أن تلتقي الحاء الساكنة في آخر الفعل مع السين الساكنة - كأول حرف منطوق / مسموع - في الكلمة التالية لها " اسم " ولهذا ، ظهرت الكسرة على آخر الفعل " حتى لا يلتقي الساكنان " .
وفي البيت الثاني قوله " كسرتَ قلبي " تورية ، و المقصود إيذاء القلب بالهجر ويوري لذلك بالكسرة التي حكينا قصتها ، وكذلك في قوله : ساكنان ، يريد " محبوبَين " .
وفي " ألعابه " الشعرية أيضا يميل إلى التورية مرة أخرى فيقول :
وَلَقَدْ أَتَيْْتُ إلى جَنابِكَ قَاضِيًا
باللثْمِ للعَتَبَاتِ بَعْضَ الوَاجِبِ
وأَتَيْتُ أقصدُ زَوْرَةً أَحْيَا بها
فَرُدِدْتُ - ياعيني - هُنَاكَ بحاجِبِ
والتورية هنا في كلمة " حاجِبِ " والصورة مباشرة ، سهلة ، قريبة طيّعة .
ومن شعر الصنعة - والظرف - لدى الشاب الظريف ، تلك الغزلية التي سلك فيها مسلك " الرسائل السلطانية " في الافتتاح بدعاءٍ خاص :
أَعَزَّ الله أََنْصَارَ العُيُــونِ
وخَلَّدَ مُلْكَ هَاتِيكَ الجُفُونِ
وَضَاعَفَ بالفُتُورِ لها اقْتَدارًا
وإنْ تَكُ أَضْعَفَتْ عقلي وديني
وَأَبْقَى دَوْلةَ الأعطافِ فينا ،
وإنْ جارتْ على قلبي الطّعيِن
وأَسْبغَ ظلَّ ذَاكَ الشَّعْرِ مِنْهُ
عَلَى قَدٍّ بِـهِ هَيَفُ الغُصُونِ 
ويظل متغزلاً سلسًا طيّعا ، غير أن الصنعة والتكلّف يجعلان قصيدته مجرد معانٍ منظومة في إطار محكم من الوزن والقافية ولا يبقى من قصيدته هذه سوى البيت الأخير منها ، لسبب وحيد هو خلوّه من الدعاء :
وَصَانَ حجابَ هاتيكَ الثَّنايا
وإنْ ثَنَتِ الفؤادَ إلى الشجون ِ
حَمَلْتُ تَسَهُّدِى والشَّيْبَ ، هَذَا
على رأسي . وذَاكَ على عُيُوني
حتى أننا نراه وكأن الوزن والقافية يتسابقان ليجعلا من البيت الأخير بيت القصيد ، معنىً ونظمًا ، فإشارته إلى الشيب بـ " هـذا " للقُـرب  ، و للتسَهُّد بـ " ذاك " للبعد ، جاءت موفقة فبالرغم من ذكره التسهُّدَ قبل الشيب إلا أنه لم يشأ أن يشير إلى التسهُّد أولاً لأن ذلك سيأتي بالعيون - القافية – في حشو البيت ، و فوق ذلك فإن السياق العروضي لن يسمح له بذلك ، فأشار إلى الشيب - القريب - وما يفعله برأسه ، ثم التفت ليستدرك ويشير بـ " ذاك " إلى التسهّد - البعيد - وما يفعله بالعيون .
غير أن الشاعر لم يكن مولعًا بالألعاب اللغوية كلَّ الولع ، بل إنه - بالرغم من عمره الشعري والإبداعي القصير - طرق باب الغزل برقته وبساطته ، ففي قصيدة له مطلعها :
صُدُودُكَ هَلْْ لَهُ أَمَدٌ قَريبُ ؟
وَوَصْلُكَ هَلْ يكونُ وَلاَ رَقيبُ ؟
نلمح هذا " التشكيل " الجميل من الصور والتراكيب التي تتلاحق وتلامِسُ بعضَها في خفّة الفراشات :
وَفي تِلْكَ الهَـوادِجِ ظَاعِنَـاتٌ
سَرَيْنَ وَكُلُّ ذي وَجْهٍ حبيبُ
إِذا أَسْفَرْنَ فَانْكَسَرَتْ عُيُونٌ
لَهُنَّ ، فَتَكْنَ فَانْكَسَرَتْ قُلوبُ
فَياتِلْكَ الذَّوَائِبُ هَلْ صَبَاحٌ ؛
فَلِي في لَيْلِكُنَّ أسىً مُذِيبُ
ويا تِلكَ اللِحَاظِ أرى عَجِيبًا
سِهَامًا كُلَّما كُسِرَتْ تُصِيْبُ
ويا تِلكَ المَعَاطِفُ خَبِّرِيْنا
متَى يَتَعَطَّفُ الغُصْنُ الرطيبُ
     " الهوادج ، جمع هَودج … وهو مركبُ النساء ، ظاعنات : مسافرات ، انكسار العيون : فتورها ، و هو من صفات الحسن في النساء ، المعاطف : جمع معطف وهو مكان العطف والميل ، و هو هنا : الخصر " .

المزيد


من الأعمال التي حذفها أبو جهل من منتدى ” سماعي ” ـ جران العَود

سبتمبر 23rd, 2007 كتبها بشير عيـّـاد نشر في , نقد

 

 الشاعر جران العـَود وتعدد الزوجات

 

بيـن " الحَاج متـولـّي"

 

وزوج الاثنـتـَـيـن 

 

 

كلـُّنا نتذكــّـرُ  تلك العواصف والزوابع التي أثارها عرض المسلسل التليفزيوني المصري " عائلة الحاج متولي " الذي جسَّد دور البطولة فيه الممثل النجم نور الشريف .

" الحاج متولي " ـ كما شاهدناه في المسلسل الرمضاني إيـّاهُ  ـ  مواطن آلي يتزوّج بالاستشعار عن بُعد ، و لا يترك أنثى تمرُّ من أمام عينيه دون أن يطلقهما عليها ، تفحصانها وتحددان سعرها طبقا لمؤشرات بورصته الخاصة ، فبدأ بأرملة  ( فادية عبدالغني )  ما لبثت أن فارقت الحياة ، فأتبعها بأرملة أخرى  ( ماجدة زكي ) لتربّي له ولده ، ثم جـــاء لها بأرملة ثالثة

 

( غادة عبدالرازق )  ومعها ابنتان ليؤنسن وحدتها في غيابه ، و لم يلبث الرجل أن سال لعابُه على فتاة خضراء العود ملفوفة القوام لم تدخل دنيا

 

( سميـّـة الخشــّاب )  ، فكان " أول بختها " ليصل العدد إلى ثلاث زوجات في عصمته ، يعدل بينهن طبقا لجدول حصص أو ما يشبه " بطاقة التموين " ، و لا يجب أن ننسى أن المذكور تزوّج بالرابعة وأخضعها للجدول معهن

 

 

( مونيا )  ، لكنها أخلّت بتقاليد " المدينة الفاضلة " التي كان الحاج متولي يعمل على إرسائها بين حريمه ، فطلقها طلقة لا رجعة فيها ليعود الرجل إلى " ثلاثته " … فقط … في صورة مثالية لا يمكن أن تكون متحققة إلا في خيال المؤلف

 

 .

هاجت جمعيات المرأة في مصر ، و ظهر كل من له علاقة بنون  النسوة وتاء التأنيث مطالبا برأس المؤلف والمخرج والبطل و كلّ من يؤيدهم من المشاهدين على امتداد الوطن العربي ، أصبح ما يحدث في كل البقع الملتهبة في عالمنا – و على الأخص في فلسطين – أهون مما يحدث على الشاشة من الأخ متولي وشركاه ، و كنــّـا نخشى ـ وقتها ـ  أن يتدخل كوفي عنان ( بتاع الأمم المتحدة على العرب والمسلمين ، السابق ) 

 

 ليطلب من جورج دبليو بوش أن يدرج نور الشريف وتوابعه في المسلسل على قائمة المنظمات الإرهابية والمطلوبين للعدالة طبقا للقانون الأمريكي والنظام العالمي الجديد .

هل كلّ من ارتبط بأكثر من زوجة كان مثاليا وخرافيا إلى هذا الحد ؟ ! . لم يسعدني الحظ لأرى هذه التجربة في بيتنا فقد رحلت الزوجة الأولى لأبي قبل ميلادي ، لكنني شاهدتها في  العائلة بكثرة ، و لم أر أيّ متولي في عائلتنا المترامية الأطراف والمشهورة بتعدد الزوجات ، و إن كان جيلي كله قد تخلص من هذا التقليد بل هناك من بالغ في اعتناق العزوبية

 

 .

إن كان ذلك كذلك ، فماذا عن الشعراء ؟ !

أشهر من صرّح بوجود " ضُرتين " في بيته هو الشاعر الجاهلي عامر بن الحرث النميري ، كان شاعرا جيد الشعر ، فصيح العبارة ، شديد السخرية – رسام كاريكاتير – و كان اللقب الذي غلب عليه هو " جران العَود " –  عرق أسفل رقبة الجمل – وجاء من قوله مخاطبا امرأتين تزوجهما واعتبرهما ضُرتين له :

 

خُـذَا حَـذَرًا يا ضُرَّتيَّ فإنني

رأيتُ جرانَ العَودِ قد كادَ يصلحُ

 

 

ويبدو من شعر جِران العَود أنه فشل في تجربة زواجه الأولى ، فلم يطاوعه قلبه في التخلص من زوجته ( بالطلاق أو سواه ) فتزوّج عليها وأتى لها بضرّة لم تكن بأمثل منها ، فاسودت حياته بهما ومعهما ، و لم يجد أمامه سوى الشعر الذى يتيح له أكبر فرصة للترويح عن نفسه والتخلص من همومه ببثها في ثنايا الأبيات ، لكنه كان قاسيا في وصفهما ، شديد البراعة في رسم ملامحهما ، حتى لكأنك تكاد ترى كلاً منهما تسعى أمامك بخلقتها الدميمة وأخلاقها الفظة ، لتشارك الشاعر مأساته وتدعو له بالصبر والسلوان ، وتترحم معه على أيام العزوبية التي ولّت تاركةً إياه في متناول ذئبتين تتنافسان على الفتك به .

قصة جران العود مع زوجتيه … يجملها في قصيدة طويلة محكمة ، و لشدة ما عانى منهما لم نجده يحدد إلى أيٍّ منهما يتوجه بسبابه الحاد المقذع ، فهو يصف " زوجته " في جميع الحالات ولا يلتفت إليهما إلا عندما يلوح الضمير للمثنى عندما يتكلم عنهما معًا .

يدخل الشاعر قصيدته نادما متحسرًا محذرًا من أن ينخدع غيره في المظاهر الكاذبة مثلما انخدع ولم يُفق إلا بعد أن " شرب المقلب " كما يقولون :  

ألا لا يَغُرَّنَّ امـرأً نُوفليَّةٌ

 

على الرأسِ بَعْدِي ، أو ترائبُ وُضَّحُ

وَلاَ فَاحِمٌ يَسْقِي الدّهانَ كأنَّهُ

أساوِدُ يَزْهاها لعينيكَ أَبْطَحُ

وأَذْنابُ خَيْلٍ عُلِّقتْ في عَقِيصَةٍ

ترى قِرْطَهَا من تحتهـا يتطوَّحُ

 

 

  ( النوفلية : ما تتخذه نساء الأعراب من صوف يكون في غلظ أقل من الساعد ثم يُحشى ويُعطف فتضعه المرأة على رأسها ثم تختمر عليه ، و الترائب هي عظام الصدر ، الأساود : الحيّات السود ، يزهاها : يرفعها ) .

يحذرنا من أن نغتر في تلك المرأة التي تتخفى وراء المظاهر الخادعة ، وتستخدم حيل الزينة لتوقع في شباكها كل من يشغله المظهر عن الجوهر ، فيدفع  فيها كلّ ما يملك من مال ظانًّا أنه قد فاز بملكه جمال الكون ، وعندما يخلو إليها وينفرد بها وجها لوجه ، فإنه يلتقي بأكبر مصيبة في حياته :

فإنَّ الفتى المعروفَ يُعطي تِـلادَهُ

ويُعطي الثنا من مالِهِ ثُمَّ يُفْضـحُ

ويغدو بِمِشْحَاجٍ كأنَّ عِظَـامَهَا

محاجِنُ أعراها اللِحَـاءُ المشبَّحُ

إذَا ابْتَـزَّ عنهـا الدّرْعَ قِيلَ مُطَرَّدٌ

 

أَحَصُّ الذُّنابى و الذراعينِ ، أَرْشحُ

فَتِلكَ التي حَكَّمْتَ في المالِ أهْلَهَا

وما كُلُّ مُبْتَاعٍ من الناسِ يَرْبَـحُ

( المشحاج : المراة السريعة المشي – وهو عيب - ، محاجن : صوالجة ، المشبّح : المقشور ، المُطرَّدُ : الظليمُ المطرود ، أحص : لا ريش عليه ) .

 

يقولُ إنه بعد أن دفع المال التليد الذي ورثه عن أجداده كصداق لهذه المرأة ، تكشفت له عن امرأة قبيحة تجيد الخداع ، و هي سريعة المشي كأن عظامها عصيٌ منزوعة اللحاء ، أو هي مثل الظليم المطرود – ذكر النعام – الذي نتفوا ريشة ، و يندب الشاعر حظه الذي أوقعه في هذه المرأة التي حكّم أهلها في ماله ووهبهم كل ما طلبوه كصداق لا تستحق منه شيئا .

وبالرغم من إحساس الشاعر بالفجيعة ، و شعوره بالصدمة العنيفة والإحباط المرير ، إلا أنه لم ينس أن يصبرّ نفسه ويصبرّنا معه حينما يعلن في مرارة أنه ليس كل من يبتاع شيئا من الناس يربحُ …..

ثم يأخذنا عامر بن الحرث – جران العَود – إلى لوحة أخرى في قصيدته الطويلة ، فبعد أن خدعوه بمظاهر الزينة وقرنوه بامرأة قبيحة دميمة دفع فيها كل ما يملك ، ها هو يصف لنا يوم زفافها إليه وما أحاطه من مظاهر الشؤم ورموزه :  

جَرَتْ يَوْمَ رُحْنَا بالرّكابِ نَزُفُّهَا

عُقابٌ وَ شَحَّاجٌ من الطيرِ مَتْيَحُ

فأمَّا العُقابُ فَهْيَ منها عقوبـةٌ

 

وأمَّا الغرابُ ، فالغريبُ المطوَّحُ

عُقابٌ عَقَبْنَاةٌ ترى من حذَارهـا

ثعالبَ أهوى ، أو أشَاقَر تَضْبَـحُ

 

(  الشحَّاج : الغراب ، متيح : يأخذ في كل وجه ، العَقَبناة : السريعة الخطف ، أهوى : ماء لقبيلة ، أشاقر : موضع ، تضبح : تصيح ) .

 

لم يكن يوم زفافهما يوما عاديا ، فقد أحاطت بموكب الزفاف العقبان والغربان منذرةً بسوء الطالع ، و ربما كانت فجيعة الرجل مضاعفةً حال مفاجئته بتلك الخديعة إذ حالت تقاليد القبيلة وأعرافها دون أن يرى وجه هذه المرأة قبل أن يتورّط فيها ويربط مستقبله بها ، لكنه رآها عن بعد فغرّه منها المظهر الكاذب الذي يخفي نحافتها ودمامتها وكل سيئاتها .

بعد أن يرسم الشاعر هذه الصورة " الهباب " يلتفت بنا للحديث عن زوجتيه بطريقةٍ تثير الشفقة عليه ، إنه يعاني معهما أشد المعاناة ، و يكابد كل المكابدة ، و بدلا من أن يمارس رجولته عليهما ويؤدبهما بالضرب  ، فإنهما تقومان بالواجب معه على أكمل وجه ، وتشبعانه ضربا مبرحًا لدرجة أنه يعتبرهما ضُرتين له ، لا ضرتين لبعضهما :

 

لقد كانَ لي عن ضُرَّتينِ عَدَمْنَنـي

وعمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْــزَحُ

هُمَا الغولُ والسعلاةُ حلقي منهما

مُخَدَّشُ ما بين التراقي مُجـرَّحُ

لقد عالجتني بالنضاءِ وبَيْتُهـا

جديدٌ ، و من أثوابها المسكُ يَنْفَحُ

 

إذا ما انتَصَيْنا فانتزعْتُ خمارَهَـا

بَدَا كاهِلٌ منها ورأسٌ صَمَحْمَـحُ

تداوِرُني في البيتِ حتّى تَكُبَّنـي

وعينيَ من نحوِ الهراوةِ تلْمَـحُ

وقد علَّمَتْني الوقْذَ ثمَّ تَجُرُّنـي

إلى الماء مَغْشِيًّا عَلَيَّ أُرَنَّـحُ

ولم أرَ كالموقوذِ تُرجى حياتُـه

إذا لم يَرْعَهُ الماءُ ساعةَ يَنْضَحُ

 

رجل ضعيف في مواجهة امرأتين شرستين قبيحتين ، يفوح المسك من أثوابهما ، و لكنه عندما ينتزع خمار أيِّ منهما يفاجأ بالدمامة والنحافة والرأس الأصلع المخيف ، إنهما تضربانه بالهراوة ، و قد علَّمتاه الوقذ – الضرب – بالخشب حتى يشارف على الموت – وحولتاه إلى حطام أو بقايا رجل كان ضحية لهما ولهذا الحظ ……

بعد أن يتهاوى جران العَود أمام زوجتيه – ضُرّتيه – من كثرة ما يلاقي منهما من ضربٍ يكاد يشرف منه على الموت ، نراه يحاولُ الإفلات من قبضتيهما فيساومهما :

 

خُذَا نِصْفَ مالي واتْرُكَا لـي نِصْفَهُ

وبِيْنَـا بِذَمٍّ ، فالتَّعَزُّبُ أ َرْوَحُ

فيارَبِّ قد صانعتُ عامًا مُجَرَّمًـا

وخادعتُ حتّى كادت العينُ تَمْصَحُ

وَرَاشَيْتُ حتّى لو تَكَلَّفَ رِشْـوَتي

خَلِيجٌ من المُرَّانِ قد كادَ يُنْزَحُ

أقولُ لأصحـابي أُسرُّ إِليْهِمُ

 

لي إنْ لم تجمَحَا كيفَ كيفَ أجمحُ ؟ !

أأتـركُ صِبْياني وأهلي و أبتغي

معاشًا سواهم ، أَمْ أَفِـرُّ فأُذْبَحُ

ألاقي الخَنَا و البَرْحَ من أمِّ حـازِمٍ

وما كُنْتُ ألقى من رزينةَ أَبْـرَحُ

 

صورة مأساوية مشحونة بكل معاني الإحباط و خيبة الأمل ، رجل يساوم زوجتيه على نصف ماله مقابل أن " تخلعاه " وتتركا له البيت ، إنه يبكي أيام عزوبيته ويحنّ إليها ويأمل لو أنهما فارقتاه غير مأسوف عليهما فعودته إلى قطيع العزّاب أهونُ عليه من الاستمرار معهما ، تتناوبان ضربه " وبهدلته " وتجريسه أمام القوم ، كما أنه لا يستطيع المجازفة بالابتعاد عن أهله وعياله ، و لا يملك من القوة ما يوفر له أن يحمي نفسه .

وتتجلّى عبقرية الشاعر – المنزوع الدسم كرجل – في رسم صورة كاريكاتورية بالغة التنفير لتلك الزوجة – الزوجتين – فتبدو فيها نموذجًا خالدًا للشرِّ والقبح معا :

 

تُصَبِّرُ عَيْنَيْهـا وتَعْصِبُ رأسَهَا

 

وتَغَدو غُدُوَّ الذّئبِ ، و البُومُ يَضْبَحُ

ترى رأسَها في كلِّ مَبْدَى ومَحْضَرٍ

شعاليلَ لم يَمْشُطْ ولا هُوَ يَسْرَحُ

وإنْ سرَّحَتْهُ كانَ مثلَ عقـارِبٍ

تَشُولُ بأذنابٍ قصارٍ وترمَـحُ

لها مثلُ أظفارِ العُقابِ ومنسـمٌ

أَزَجُّ كظنبوبِ النعامةِ أَرْوَحُ

( الشعاليل : خصل متفرقة اختلط فيها السواد بالبياض ، المنسم : طرف خف النعامة ، الأزج : المقّوس ، الظنبوب : عظم  الساق ) .

 

يصرَّ جران العود أن يبعث برسالة من أعماق العصر الجاهلي .. ينسف بها نموذج " الحاج متولي وزوجاته " نسفًا ، مؤكدًا أن هذه المثالية لا يمكن أن تتحقق حتى في الخيال .

يرسم الشاعر صورة لزوجته فنراها لو خرجت على أحد العفاريت في منتصف ليلة سوداء حالكة لأصابته بالرعب وأجبرته على الفرار من وجهها الكئيب ، فهي قبيحة " شرَّانية " تشبه الذئب

و يضبح البوم منذرًا بالشر بمجرد رؤيتها ، تتدلى حولها خُصل رأسها المتفرقة يختلط فيها الشَّعر الأبيض بالشعر الأسود ، و إذا حاولت تسريح هذا الشَّعر أو تمشيطه بدا كالعقارب التى ترفع أذنابها وكأنها تتربص للدغ فريستها ، إنها البشاعة تمشي على قدمين ، فهي الذئب والعقرب تحوم حولهما البومة التي هي رمز الشؤم والخراب والوحشة ، فهي لا تسكن إلا الخرائب والمقابر وتثير الفزع بشكلها وصوتها ، كما أن مجرد ذكرها يوقظ في النفس كل مدلولات الشؤم واليأس والإحباط .

المزيد


من تراث الشعر العربي

أبريل 27th, 2007 كتبها بشير عيـّـاد نشر في , نقد

مـــع

 " نونيـّةِ  ذي الإصـبع ِالعَدواني "

ـــ

 

 

( هذه وقفة ٌجديدة ٌمع أحدِ شعراءِ العربِ القدماءِ الذين أحبـُّهم ،، أتمنـّى أن تجدوا فيها شيئًا جديدًا ،، مع حبّي وإعزازي ومودّتي ) 

                                      بشيرعـيــَّاد

 

 هو حُرْثانُ بنُ عمرو بن الحارث بن مُحرِّث بن ثعلبة ………….. بن يشكر بن عَدْوَان ……………. بن نزار بن معدّ بن عدنان ، أحد بني عَدْوان ، و هو بطن من جديلة ، شاعر فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية ، وله غاراتٌ كثيرة في العرب ووقائع مشهورة ، و هو أحد الحكماء ، عُمِّر دهرًا طويلاً ، يقال إنه عاش مائة وسبعين سنة ، و قيل أكثر ، وسُمِّيَ " ذا الإصبع " لأنّ حيَّةً نهشت إبهام قدمه فيبست ، و قيل : فقطعها ، وقِيل سُمّي ذا الإصبع لأنه كان له في رجله إصبع زائدة . كان ذو الإصبع ندَّابة عَدْوان ، أكثر شعره فى رثاء قومه وبكاء قتلاهم ، فأخبار عَدْوان -  على مارواها أبو الفرج  الأصفهاني  -  هي أخبار الفناء وتاريخه ، كأنهم يولدون بعلامات القبور وشواهدها ، كانت عَدْوان كثيرة العدد ، عن الأصمعي قال : نزلت عَدْوان على ماءٍ فأحصوا فيهم سبعينَ ألف غلامٍ أغرل – أي  دون الختان -  سوى من كان مختونا لكثرة عددهم ثمَّ وقع بأْسُهُم بينهم فَتَقَانَوْا ، فقال ذو الإصبع في  ذلك :

 

 عذِيرَ الحَيِّ مِنْ عَدْوَانَ كانـــوا حَيَّةَ الأَرْضِ

بَغَى بَعْضُهُمُ بَعْضًا ، فَلَـــمْ يُبْقـُوا على بَعْضِ

فَقَدْ صَاروا أحاديثَ .. بِرفْع القَوْلِ والخَفْضِ

فمِنهمْ كانتِ السّاداتُ والمُوفُونَ بالقَــــرْضِ

ومِنهمْ مَنْ يُجِيْزُ النّاسَ بالسُّنَّةِ والفَـــــرْضِ

ومِنهمْ حَكَمٌ يَقْضي ، فَلاَ يُنْقَضُ مــا يَقْضي 

 

يقصد : هات عذرًا فيما فعل بعضهم ببعض من التباعد والتباغض والتقاتل ، بعدما كانوا حَيّة الأرض التي يحذرها الجميع . وتقولُ الروايات إنّ ذا الإصبع عُمِّرَ طويلا " حتى خَرِفَ و أُهْتر " -  أي فسد عقله من الكِبر – فكان يفرّق ماله ، فعذله أصهارُه ولاموه وأخذوا على يديه ، غير أنّ وصيته التي تركها لابنه" أُسيد " حين حضرته الوفاة تقول غير ذلك ـ  في رأيي ـ وتنفي فساد عقله وخَرِفَه ، فقد جاءت آيةً في الحكمة ككثير من المأثورات الخالدة التي أرستها التقاليد والقيم والأعراف العربية من قديم الأزل ثم جاء الإسلام ليؤكدها ويحضَّ عليها ، هذه الوصية قلادة تزداد نصوعًا وسطوعًا بتقادم الزمن وتحوّلات الأيام ، يقول ذوالإصبع لولده أُسَيْد :  " يابُنيَ ، إنّ أباك قد فَنِيَ وهو حيّ ، و عاشَ حتى سئم العيش ، وإني مُوصيك بما إنْ حفظتَه بلغتَ في قومك ما بلغتُه : أَلِنْ جانبك لقومك يحبّوك ، و تواضَعْ لهم يرفعوك ، و ابْسُطْ لهم وجهك يُطيعوك ، و لا تستأثِرْ عليهم بشيء يُسوِّدُوك ، و أكْرِمْ صغارَهم  كما تكرم كبارهم ، يكرمْكَ كبارُهم، ويكبْرعلى مودّتكَ صغارهم ، و اسمح بمالِك ، و احْم حريمَك ، و أَعِزَّ جارَك ، و أَعِنْ من استعانَ بك ، و أَكْرِمْ ضيفًك ، و أَسْرِعِ النهضةَ في الصريخ ، فإنّ لكَ أجلاً لا يَعْدُوك ، و صُنْ وجْهَكَ عن مسألةِ أحدٍ شيئًا فبذلك يتم سُؤْدَدُك … "  هذه هي الوصية التي تركها ذو الإصبع العَدْواني لابنه أُسيدً فإن عمل بها يتحقق  له ما تحقق لأبيه من سؤدد بين قومه ، و ما بلغه من ذكر بين الآخرين ، ثم أتبعها بقصيدة رائعة طويلة هي بمثابة استكمال للوصية السابقة أو مذكرة تفسيرية لها :

 

 

  أَأُ سَيْدُ إنْ مالاً مَلَكـْ … تَ فَسِرْ بِـــهِ سَيْرًا جَمِيْلاَ

واشربْ بِكَأْسِهِمُ وإِنْ … شَرِبُــوا بِهِ السُّمَّ الثّمِيْلاَ

أَهِنِ اللِئامَ ولا تَكُــــــنْ … لإِخَائِهِمْ جَمَلاً ذَلُـــولاَ

وَدَعِ الّذِى يَعِدُ العَشِيـْ ….رةَ أنْ يَسِيْلَ ولن يَسِيْلاَ

 

 " الثميل " لم ترد في كتب اللغة ، و ربما أراد بها " السُّمَّ النـاقع " ، و القصيدة سهلة في معانيها وألفاظها وتراكيبها على غير ما عهدناه بالشعر الجاهلى :

 

 

 

 أَأُسيدُ إنْ أَزْمَعْتَ مـن …. بَلَـــــــــدٍ إلى بَلَــــدٍ رَحيْـــــلاَ

فاحْفَظْ -  وإنْ شَحَطَ المَزَا …. رُ – اَخَا أَخِيكَ أو النّزِيلاَ

وَارْكَبْ بِنَفْسِكَ إن هَمَمـْ … تَ بهــــا الحُزُونَةَ والسُّّهولاَ

وَصِلِ الكرامَ وكُنْ لَمِنْ … تـــــرجــو مَــــوَدَّتَهُ وَصُولاَ

وَدَعِ التّواني فى الأُمو …رِ وَكُنْ لهــــا سَلـِسًــــا ذَلـُولاَ

وَابْسُطْ يَميْنَكَ بالنَّدَى …..وامْدُدْ لها بــــاعًــــــا طويلاَ

واعْزِمْ إذا حاولت أَم … رًا يَفْرِجُ الهَمَّ الدَّخِيْـــــــــــلاَ

وَابْذُلْ لِضَيْفِكَ ذاتَ رَحْ…لِكَ مُكْرِمًــــا حتّى يَــــزُولاَ

 

 ويستمر ذو الإصبع فى تلقين ابنه نصائحه ووصاياه في إطار من الحكمة التي تجسّد خبرات وتجارب رحلة طويلة في مشوار الحياة بلغت مائة وسبعين عامًا ، و كأنّ ذا الإصبع يصرّ -  وهو في النزع الأخير -  على أن يترك لنا قرينة شعريةً تفسد ما سيقوله الرّواةُ عن عقله الذي أفسده الدهر ، إنها وصيةٌ جامعةٌ لم تترك معنى من معاني الشجاعة والجود والكرم والتواضع والإيثار والتراحم والتضحية ، إلاَّ ضمّته بين ثناياها في تتابع متناسقٍ مُحكمٍ رصين ، إلى أن يصل إلى نهاية القصيدة / الرحلة فيقول :

 

 

 وانزِلْ إلى الهَيْجَا إذا … أبطالُها كَرهوا النُّزُولاَ

وإذا دُعِيْتَ إلى المُهـِ …ـــمِّ فَكُنْ لِفَادِحِهِ حَمُـولاَ 

 

كان ذو الإصبع شاعرًا وفارسًا مغوارًا ، غير أنّ آفة الثأر التي استوطنت قومه حتى أتت عليهم – وكانوا يستعصون على الحصر والإحصاء كسرت قلبه إذ لم تنجح محاولاته الدائمة لرأب الصدع أو تقريب وجهات النظر ، و كان يفشل في كلّ مرة إذ لم تلتزم الأطراف المعنية بسياسة ضبط النفس ، فتقاتل أبناء العمومة واندلع فيهم الموت كما تندلع النار في حقل غاز طبيعي ، ليتحول ذو الإصبع إلى شاعرٍ بكَّاء أو " ندّابة " ، يرثي لحال بني عدوان ويبكيهم ويستصرخ من تبقَّى منهم لكي يلقوا السلاح ويحقنوا دماءهم ، و لكنه كان كالصارخ في أعماقِ البيداء في ليلةٍ شاتيةٍ عاصفةٍ ، فضاعت صرخاته أدراج الرياح . ولكن … ما سبب تَفَرُّق عَدْوان وتقاتلهم حتى تَفَانَوْا ؟! لم يكذب حكماء العرب حينما قالوا : " إن معظم النار يأتي من مُستصغر الشّرر " ، فقد بدأ مسلسل الثأر بين العَدْوَانيين كما يبدأ في أي نجع من نجوع الصعيد الجوّاني ، جريمة قتل – لأيّ سبب ما- تفتح الأبواب أمام أمواج من النيران تلتهم الأخضر واليابس " و لا تُبقي ولا تذر " ، كان سبب تَفَرُّق عَدْوَان وقتال بعضهم بعضًا حتى تفانوا – كما جاء بالأغاني – " أنَ بني ناجٍ – وفي رواية بني ناجي – بن يَشْكُر بن عَدْوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظَرب بن عمرو بن عبّاد بن يَشْكُر بن عَدْوان ، و نَذِرَت – أي علمت – بهم بنو عوف ، فاقتتلوا . فقتل بنو ناجٍ ثمانية نفرٍ من بني عوف ، منهم عمر بن مالك ، سيّد بني عوف . و قتل بنو عوف من بني ناجِ رجلاً منهم ، يقال له : سِنان بن جابر ( أو يسار ، أو ياسر بن جابر ) ثمَّ اصطلحوا على ديّات يتعاطونها ، ورضوا بذلك . وأبى مَرِيرُ بن جابر أن يقبل لأخيه سنان بن جابر ديَّةً ، و اعتزل هو وبنو أبيه ومن أطاعهم ومالأهم – والاهم – فمشى إليهم ذو الإصبع وسألهم قبول الدِّيَّة وقال : قد قُتل منا ثمانية نَفرٍ فَقَبِلْنا الدّيّة ، وقُتل منكم رجلٌ واحد فاقبلوا ديته . فأبَوْا ذلك وأقاموا على الحرب ، فكان ذلك مبدأ حربِ بعضهم بعضا حتى تفانوا وتقطّعوا " مشهد متكرر وثابت في جميع مسلسلات الثأر منذ بدأ القتل دورته ، من هناك ، من أبعد نقطة وصل إليها التاريخ ، إلى هذه اللحظة ، يتلخص ذلك المشهد في مجموعة من الحكماء يخمدون النار ، و يقربون بين وجهات نظر الأطراف المتصارعة حتى يتصالحوا – وغالبا على الديّة – وقبل أن تنطلق الزغاريد إيذانا بحقن الدماء ، و تراضي المتصارعين وتصافيهم ، ينسحب أحد الرجال معلنًا احتجاجه ويطلق " عيارين " في الهواء ، و … تكون البداية . سعى ذو الإصبع بين بني عمومته ليوقف المجازر الشارونية المتبادلة بينهم ، غير أن رجلا واحدًا اسمه مًرِير استخدم حق " الفيتو " واستطاع أن يضع الـ " لا " كالسّدّ المنيع في طريق أية محاولة لوقف القتال ، و بهذه الـ " لا " تسبب في فناء قبيلة من مئات الآلاف ، كان أولادهم دون الختان الذين يلعبون الاستغماية عند مورد الماء ذات يوم يتجاوز عددهم سبعين ألفا ( !! ) ، و هنا ، يبكي ذو الإصبع ناعيا قومه ، مُصبّرا نفسه بأنه بذل كلّ ما في وسعه ، لكن مريرا أبى ، ليطلق المرارة في عروق التاريخ :

 

 

 فيابُؤْسَ للأيّام والدهــــــرِ هالكَــــا

وصَرْفِ الليالي يَخْتَلفْنَ كَذَلِكَـــــــا

أَبَعْدَ بني نـــــــــــاجٍ وَسَعْيِكَ فِيْهُمُو

لا تُتْبِعَنْ عينيكَ مــــن كانَ هالكَا

إِذَا قلتُ معــروفًـــــا لأُصْلِحَ بينهم

يقولُ مَريــــرٌ لا أُحــــاولُ ذَلِكَـــا

فَأَضْحَوا كَظَهْرِ العَوْدِ جُبَّ سَنَامُه

تَحُومُ عليهِ الطّيرُ أحْدَبَ بَارِكَــــا

فإنْ تَكُ عَدْوَانُ بن عمرو تَفَرَّقَتْ

فقد غَنِيَتْ دَهْرًا ملوكًا هُنَالِكَـــــا

 

 ويبدو أن مريرا هذا ، كان أكبر عقدة في حياة ذي الإصبع ، الشاعر ، الفارس ، الحكيم ، فهناك مطولةٌ فريدة " جامعةٌ مانعةٌ " تركها ذو الإصبع يحاكم فيها ابن عمه هذا ، و هي من أبدع ما صاغ شاعرنا ، تلك هى " نونية ُ ذي الإصبع ِالعَدْوَاني "أهم قصائده التى تشير إليه وتسعى بذكره في كتب الأدب وعلى ضفاف الزم

المزيد


تابع : من أعمالي التي حذفها أبو جهل من منتدى ” سماعي “

ديسمبر 12th, 2006 كتبها بشير عيـّـاد نشر في , نقد

من أعمالي التي حذفها أبو جهل من منتدى " سماعي " :

يائيّةُ مالِكِ بنِ الرَّيبِ التميمي

قبل أن تقرأ

"هذه وقفةٌ مع يائيّة مالك بن الرّيب التميمي، وهي واحدة ٌمن أمهات ِالقصائد العربية وأبدعها ، تسجلُّ لنا موقفًا نادرَ الحدوث ، وهو قيام شاعر برثاء نفسه عندما تيّقنَ من موته بدار الغـُربة . هل لديك الصبرُ على القراءة ؟؟ لا أدري ، ولكنـّها وقفة ٌلابد منها مع قرائي وزوّار المدوّنة الكرام ، ربّما يكون ُمن بينكم من يحبُّ مثل هذا اللون من الكتابة "

 بشير عيـَّاد

هو مالِكُ بنُ الرَّيب المازني التميمي ، من شعراء الإسلام في أوائل العصر الأموي ، نشأ في بادية بني تميم عند البصرة ، يقولُ الشعر الرقيق الجيد العذب ، غير أنه كان لصًّا فاتكًا يضربُ في الصحراء على طريقةِ الفُتَّاكِ من العرب ، ينالُ الناسَ بالشرّ فيطلبه الولاةُ فيفر إلى حيث تحمله ساقاه على نهج الصعاليك وقاطعي الطريق في العصر القديم ، وذات " هروبٍ " فرَّ -  مع رفاقه -  إلى البحرين ثم إلى فارس ، وكان سعيد بن عثمان بن عفـَّان واليًا على خُراسانَ في ذلك الوقت ، و بلغه ما يشيعه مالك بن الرَّيب وأصحابه ، فلقيَ مالكًا ورآه من أجمل الناس وجهًا وأحسنهم ثيابا ، فأقنعهُ بالإقلاع عن هذه العادات الجاهلية التي طهّر الإسلامُ المجتمعَ منها ، و استصحبه وأجرى له خمسمائة درهم في كلّ شهر .

كان مالك يحملُ نفسًا تأبى عليه ما يقوم به من أعمال تنافي الدين الذي  ارتضاه والذي كان الإيمان به يضيءُ ثنايا شِعْرِه ومعانيه ، و يبدو أن طموحه الدائم إلى المعالي-التي لم يستطع الوصول إليها-  هو الذي دفعه إلى التمرد والثورة واستغلال قوته وشجاعته في قطع الطريق والأعمال اللصوصية ، و من جيد شعره الذي يجمع بين الإيمان والحكمة وعاطفة الأبوة ، ما قاله لابنته عندما همَّ بالذهاب في سفره الطويل فتعلَّقتْ بثوبه وبكت وقالت : " أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموتُ بيننا فلا نلتقي " ، فبكى ،و أنشأ يقول :

 

وَلَقَدْ قلْتُ لابنتي وهْيَ تُلوي

بدخيل ِ الهُمومِ قَلبًا كئيبَـا

وهْىَ تَذري من الدموِع على الخدَّ

يـنِ مِنْ لّوْعَةِ الفِراقِ غُروبَا

حَذَرَ الحتْفِ أنْ يُصيبَ أباها

أو يُلاقي في غيرِ أَهْلٍ شَعُوبَا

اسْكُتي … قد حَزَزْتِ بالدمعِ قلبي

طـالَ ما حَزَّ دَمْعُكُنَّ القلُوبَا

فعَسَى اللهُ أنْ يُدافِعَ عنِّي

رَيْبَ ما تَحْذَرينَ حتّى أؤوبَـا

ليسَ شيءٌ يشاؤهُ ذو المعـالي

بعزيزٍ عليهِ ، فادْعي المجُيبَا

ودَعي أن تُقَطّعي الآنَ قلبي

أو تُريني في رحلتي تعذيبَـا

أنـا في قبضةِ الإِلَهِ إذا كُنْتُ

بعيـدًا أو كُنْتُ مِنْكِ قريبَا

كَمْ رَأَيْتِ امْرَأً أتى من بعيدٍ

ومُقيمًا على الفراشِ أُصِيْبا ؟!

فـَدعيني مِنْ نحيبِكِ إنّي

لاأ ُبالي - إذا اعتزمتُ - النّحيبَا 

رقة وبساطة وإيمان بالله الذى  هو حسبه وكافيه وهو في قبضة الإله سواء في قربه من ذويه أو في بعده عنهم .

 هذا عن نشأته وبيئته ولمحاتٍ من حياته وشعره ، فماذا عن يائيتهِ الرائعةِ الخالدة ؟!            

 

مثلما اختلف الرواة في ذكرهم سبب ذهاب مالك بن الرَّيب إلى خُراسان ، فقد اختلفوا -  كذلك – في ذكرهم سبب موته بالطريق عند قفوله منها ، فمنهم من يقول : إن علة قد ألمَّت به، و منهم من يقول قد لدغه عقرب ، ومنهم من يقول لدغتْه حيَّة .

 ونحن -  هنا – لا نتوقف أمام اختلافات الرواة سواء في الرحيل أو العودة ، نحن نقف أمام ناطحة سحاب شعرية ، شيّدها رجل رأى موته يزحف إليه من بُعد فأعدَّ لاستقباله ما يليق به أو " بهما معًا " :

 

أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أبِيْتَنَّ ليلةً

     بِجَنْبِ الغَضى أُزْجي القِلاَصَ النواجِيا ؟

 

يبدأ الشاعر بكائيته بالحنين إلى الوطن ، إلى ملاعب الصبا والشباب أيام كان يسوق النوق السريعة ويحثها بجوار شجر الغضى بالقرب من اليمن ، و الشاعر عندما يكتب قصيدة الرثاء فإنه يبكي فيها من رحلوا ويصف فجعيته فيهم ويذكر محاسنهم ومناقبهم ، لكن ابن الرّيب ترك لنا نموذجا فريدا لموقف الإنسان / الشاعر من الموت بعد أن تأكّد من حتمية وقوعه ، الشاعر -  هنا -  يقف في منتصف النقطة الوهمية التي تفصل بين إرادة الحياة وحتمية الموت ، مأساة طاحنة زلزلت وجدان الشاعر وأعطته آخر فرصة لآخر اقتناص في حياته ، ليترك لنا هذه الرائعة الفريدة كإيصال بعمره الذي " كان " يتمنى أن يعيشه ، إنها أقسى صور وداع الحياة عندما يذهب الواحد منّا ليودّع نفسه عند باب قبره ، تلك اللحظة الخاطفة التي تمرق كالرصاصة .. بقوة … وبقسوة … وفي خط مستقيم .. لحظة لا ينفع معها الندم ولا تُجدي الدموع :

 

أَلَمْ تَرَني بِعْتُ الضلالةَ بالهُدَى

    وأصبحتُ في جيشِ ابنِ عفَّانَ غَازِيَا ؟؟

 

ولكن زفرات الندم المفعم بالحسرات والآلام والأسى .. تندلع بقسوة ومرارة عندما يقف وجهًا لوجهٍ مع " اللحظة الراهنة " ويقارن بين ما كان وما هو كائن :

 

فَلِلَّهِ دَرِّي يَوْمَ أَتْرُكُ طَائِعًا

       بَنِيَّ بأعلى الرَّقْمَتَينِ ومالِيَا

وَدَرُّ الظِّبَاءِ السَّانحاتِ عَشِيَّةً

      يُخَبِّرْنَ أنَّي هالِكٌ مِـنْ ورائيَا

وَدَرُّ كَبِيرَيَّ اللذينِ كلاهما

        عليَّ شفيقٌ ناصحٌ لو نَهانِيَا

وَدَرُّ الهوى من حيث يدعو صِحابَهُ

      وَدَرُّ لَجاجاتي ، وَدَرُّ انتهائِيَا

 

" لِلَّهِ دَرِّي " تركيبٌ يُقال في المدح والدعاء ، أي " ما أنا فيه من الخير ، إنمّا هو من الله " ، لكن الشاعر استخدمه هنا للتعجب من نفسه والتقريع لها ، فكيف يترك -  طائعا -  أولاده وماله بالرقمتين ( قريتين قرب البصرة ) ليذهب إلى خُراسان ويلقى حتفه غريبا لا أهل ولا وطن ؟! وينعي حظّه إذ لم يبادر أحد كبيريه لينصحه وينهاه ؟! ثم يعض أصابعه وشفتيه إذ قادته لجاجاته -  مطامعه -  إلى الهلاك والضياع بهذه الصورة الدرامية .

 

تَذَكَّرْتُ من يبكي عليَّ فلم أجِـدْ

     سوى السيفِ والرمح الرُّدَيْنِيِّ باكِيَـا

وأشقَرَ خنْذِيذٍ يجـرُّ عِنَـانَــهُ

      إلى الماءِ لمْ يترك لهُ الدهرُ ساقِيَــا 

غربةٌ موحشة ، لم يبحث الرجل عمّن يؤنسه فيها ، و لكنه -  ويا لروعة الألم والأسى -  يستجدي  " من يبكي عليه " ويشيّعه إلى مثواة الأخير ولو بدمعتين فلم يجد سوى الجماد وغير العاقل : سيفه ورمحه الرُّدَينيّ ( منسوب إلى " رُدَيْنَة " وهي امرأةٌ كانت تقوِّم الرماح ) وفرسه الأشقر الخنذيذ ( أي الطويل الصلب ) الذي  راح يجر عِنانه -  لجامه -  ليرد الماء بعد أن حرمه الدهر / الموت من فارسه الذي يعتني به :

 

ولكنْ بأطرافِ السُّمَيْنَةِ نِسْوَةٌ

       عزيزٌ عليهنَّ العَشيَّةَ مابِيَـــا

 

يلمع طيف الوطن في ذاكرة الشاعر ووجدانه ، فيرى نسوة السُّمَينَة -  موضع قرب اليمن -  اللاتي يعزّ عليهنّ ما به وما هو فيه ، إنه بحاجة إلى من يشفق عليه ويواسيه ثم يبكيه -  إذا حانت لحظة الموت / الفراق الحتمية ، فليس لمثله أن يُوارَى بمثل هذا " الصمت  الرهيب " ، لكأنّ الشاعر الذي أسعدهن بأشعاره وبالتغزّل بهن ينتظر منهن ردَّ الجميل بكاءً ونحيبا ، إنه يوشك أن يطلب أن يكون غُسْلُه بالدموع ، و لكن هيهاتَ أيها الضائع سُدى :

 

ولمّا تَـراءتْ عِنْـدَ مَـرْوَ مَنِيَّتي

      وَخَلَّ بها جِسْمي وحانتْ وفاتِيَـا

أقولُ لأصحابي : ارفعوني لأنَّنِي

        يَقَرُّ لِعَينِي أنْ سُهَيلٌ بَـدَا لِيَـا

فيا صاحِبَيْ رَحْلي … دنا الموتُ فانزلا

          برِابيَةٍ ، إني مُقيمٌ ليـالِيَــا

أَقِيما عَلََيَّ اليـومَ أو بعضَ ليلـةٍ

         ولا تعذلاني ، قد تَبَيَّنَ مابِيَــا

وقُومَا إذا ما استُـلَّ رُوحي وهَيِّئا

      ليَ السِّدْرَ والأكفانَ ثمَّ ابكيـا لِيَـا

وخُطَّـا بأطرافِ الأسنَّةِ مضجعي

      ورُدَّا على عَيْنَيَّ فَضْـلَ رِدائِيَــا

 

عند " مرو " في طريق عودته ، اختل جسمه ورأى المنية تسعى إليه ، يلتمس من أصحابه أن يرفعوه ليرى سُهيلا -  نجم يسطع من قِبَل بلاد اليمن -  إنه آخر شيء سيراه ويرى فيه طيف الوطن ورائحته .

صاحبا مالك صاحبان حقيقيان وليسا خياليين كما عهدنا بشعراء العصر الجاهلي بوجه خاص ، لما أشرف مالك على الموت " تخلّف عليه مُرة الكاتب ورجلٌ آخر من قومه من بني تميم ، و مات فى منزله ذلك فدفناه هناك … " ( الأغاني ) .

بعد أن يلتمس مالك بن الرّيب من صاحبيه أن يهيئا له السِّدْر -  شجر النبق ، و المقصود هنا ورقه لأنه يغسل به الميت -  ثم الكفن ، يلتفت ليذكر لنا بعضا من مناقبه ليحفرها بصمات خالدةً على جدار الزمن :

خُذَاني فَجُرَّاني بِبُردي إليكمـا

      فقد كنْتُ قبلَ اليومِ صَعبًا قِيادِيَـا

وقد كُنتُ عَطَّافًا إذا الخيلُ أدبرتْ

      سريعًا إلى الهيجا ، إلى من دَعانِيَـا

وقد كنتُ محمودًا لدى الزادِ والقِرى

      وعن شتميَ ابنَ العمِّ والجارَ وانِيَـا

وقد كنتُ صبَّارا على القِرنِ في الوغى

       ثقيلاً على الأعداءِ عَضْبًا لِسَانِيَـا

 

" خُذاني ، فَجُرَّاني بِبُرْدي إليكما " … صورة تحرّض على البكاء وتستدعي الدموع من جذورها في أعماق القلب وثنايا الروح ، بالرغم من أن الرجل بين يديّ الله منذ مئات السنين ، فما أصعب أن نرى رجلا -  أي رجل -  وهو يتحول في  لحظة إلى " شيء " ، مجرد شيء ، إن كلمة " جُرَّانى " تحرك قلبي من مكانه وتطلق في جسدي ارتعادةً مفاجئة كلما وقعت عيناي عليها وكأني أطالعها للمرة الأولى ، صاحباه لا يقويان على حمله إلى قبره فيستعطفهما أن يَجُرَّاه بِبُرده -  أي  يضعاه  عليه وهو مفروش كالبساط ويجرّاه من طرفيه -  كأنهما يجرّان حيوانا نافقا …. يااااااه!‍.

صورٌ تقطر أسى ، تدور وتلامس بعضها فتققس صورًا جديدة لتتحول إلى مزرعة ألم أبدية تتسع وتتمدد مع الأيّام .

يتحسَّر الشاعر على نفسه ويذكر أنه كان صعبَ القِياد والمراس ولكن الموت اصطاده وحوّله إلى عبءٍ ثقيل على صاحبيه اللذين آثرا أن يظلاَّ معه " حتى يقضيَ اللهُ أمرًا كانَ مفعولاً " فيذكر لهما كيف كان شجاعا ذا بأس يسرع إلى خوض المعارك لنجدة من يستغيث به و يستنصره ، و في مقابل سرعته إلى حومةِ الوغى كان صبورًا جدًّا على ابن العم والجار … الأهل وذوو القربى والجيران لا نسارع في إيذائهم بل نصبر على تجاوزاتهم فهم غير الأعداء ، ثم يلوح قوله " وقد كنتُ صبَّارًا على القِرْنِ في الوغى " ليثبت أنه كان محترفا في القتال فكان ثابت القلب رابط الجأش يراوغ قِرنَه -  مثيله من الأعداء -  ويصبر عليه حتى يصطاده ويقضي عليه مهما تطل المراوغة ومهما تكن قوة العدو .

خمسة أبيات متتالية يعدد فيها مناقبه .. تبدو كقطعة واحدة معطوفة على قوله : " فقد كنتُ قبلَ اليومِ صعبًا قيادِيَا " تنتهي بقوله :

 

وطُورًا تراني في رَحَىً مُستدِيرةٍ

   تخرّقُ أطرافُ الرمـاحِ ثيــابِيَـا

 

يعود بعدها ليصل الكلام -  معطوفا على قوله : " خُذَاني …. " -  فيقول :

 

وقُوما على بِئرِ الشُّبَيْكِ فأَسْمِعَـا

    بها الوحْشَ والبِيضَ الحِسَانَ الروانِيَا

 بأنَّكما خلّفتُمـاني بقفرةٍ

     تهيلُ عليَّ الرّيحُ فيها السوافِيَـا

 

أخذت سكرات الموت مالك بن الرَّيب في دوَّاماتها ، و بين إغفاءة وإفاقة يشيّد بيتا من الشعر في يائيّته الخالدة ، وعندما يقترب من المنعطف الأخير في القصيدة / الحياة ، و يصبح القبر أقرب إليه من أنفاسه ، ينزف ما تبقـّى من روحه ألمًا وحسرة ، تاركا لنا رحيق روحه خيولا تسابق الزمن :

 

يقولونَ : لا تَبْعَدْ !! وهم يدفنونني

      وأين مكانُ البعدِ إلا مكانِيَـا ؟!

 

" بَعِدَ ، من باب " فَرحَ " ، و معناها : هَلَكَ ، و كان من عادة العرب أن يقولوا : لا تَبْعَدْ ، و هم يدفنون الميّت ، و هذا البيت أحد أعمدة القصيدة ، شطره الثاني -  العُجُز -  يصيبني بالرعب والهلع .. استفهام تعجبي مرير يلخص كل تراث الألم والتحسّر والبكاء على النفس ونعيها .

ومع زفراته المتقطعة يتذكّر السيدة والدته وكيف يكون وقع الخبر عليها وهل ستبكيه كما كان " سيبكيها " لو أنها فارقت الحياة قبله ؟ :

 

وَياليتَ شِعري هل بَكَتْ أُمُّ مالكٍ

   كما كنتُ لو عالَوا نَعِيـَّكِ باكِيَا ؟!

 

ثم يلتفت إليها – أُمّه -  موصيا إيّاها أن تزور قبره الذي كسته الريح بالغبار الذى يشبه القسطلان -  غبار الحرب -  المختلط بالتراب :

 

إذا مِتُّ فاعتادي القبورَ فسلِّمي

      على الرَّيْمِ أُسْقِيْتِ الغمامَ الغوادِيَا

ترَيَ جَدَثًا قد جَرَّتِ الريحُ فَوْقَهُ

       غُبارًا كلونِ القسْطَلانيِّ هابِيَـا

رهينةَ أحجارٍ وتُرْبٍ تضمَّنَتْ

      قرارَتُها منّي العظامَ البوالِيَــا

 

وتدنو النهاية الأليمة ولا يبقى في ذهن الشاعر ووجدانه سوى طيف الوطن والحنين إليه ، و لا أدري سرّ إصرار هذا العبقري الرائع على استدعاء صور " النسوة " ليذرفن عليه دموعهن الساخنة السخية ، إلا أنه في نهاية القصيدة يخرج من التعميم إلى التخصيص عندما يذكر أمه وشقيقتيه وخالته والباكية الأخرى -  زوجته -  ثم يضع بصمة الختام ملخصا فيها علاقته بالرمل وأهله ليموت محبًّا محبوبا محمودًا :

المزيد